الطبراني
43
التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )
الْحاسِبِينَ ( 62 ) ؛ إذا حاسب فحسابه يسير سريع ؛ لأنه لا يحاسب بحقد ولا يتكلّم بآلة ، ولا يحجزه الكلام مع بعضهم عن الكلام مع غيرهم ، بل يحاسب الجميع في دفعة واحدة . ومعنى المحاسبة : تعريف كلّ واحد ما يستحقّه من ثواب أو عقاب ؛ حتّى روي في الخبر : أنّه يكون حسابه في مقدار حلب شاة . قوله عزّ وجلّ : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ؛ أي قل لهم يا محمّد : من ينجّيكم من شدائد البرّ والبحر وأهوالهما . تقول العرب لليوم الذي فيه شدّة : يوم مظلم ؛ حتى أنّهم يقولون : يوم دو كواكب ؛ إذا اشتدّت ظلمته حتى صار كالليل . ويقال : أراد بالظلمات ظلمة الليل ، وظلمة الغيم ، وظلمة الأمواج . وقوله تعالى : ( تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ) أي تدعونه علانية وسرّا ، والتّضرّع : إظهار الضّراعة ؛ وهي شدّة الفقر والحاجة إلى الشّيء . وقرأ أبو بكر : ( وخفية ) بكسر الخاء ، وقرأ الأعمش : ( وخيفة ) من الخوف كما في آخر الأعراف « 1 » . قوله تعالى : لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 63 ) ؛ في موضع الحال ؛ معناه : قائلين : لئن أنجيتنا من هذه الشدائد لنكوننّ من المؤمنين الموحّدين المطيعين . وقوله تعالى : قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ؛ قل اللّه ينجّيكم من شدائد البرّ والبحر ومن كلّ غمّ ، ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) ؛ به الأصنام في الرّخاء بعد النجاة ، وبعد قيام الحجّة عليكم . وقوله عزّ وجلّ : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ؛ راجع إلى مشركي مكّة ؛ أي قل لهم يا محمّد : ( هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ) كما بعث على قوم نوح ولوط من الطوفان والحجارة ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ؛ أي هو القادر على أن يخسف بكم ، كما فعل بقارون وقومه . ويقال : أراد بقوله : ( عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ) الظلمة ، ( أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) أو يغلّب عليكم سفهاءكم .
--> ( 1 ) قوله تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ : الأعراف / 205 .